ابن بسام
148
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
إلى محال ؛ أين الكرم الذي ذكر ، والخلق الذي شكر ؟ هب ما سألناك يشقّ ، أين الحقّ الذي يحق ؟ كذب رائدنا ، وقلّت فوائدنا . فقال له الفتى : ويحك ! اتق اللّه خالقك ، فقد آن أن تترك خلائقك . / فقال : يا مولاي ، لو تركتني الشّهوة لتركت ، لكن حرّكتني فتحرّكت ، إني وإن سبقني جمهور الأتراب إلى التراب ، فلي قلب [ 1 ] لهبيّ ، وجسم ذهبيّ ، لا يغيّرهما إدمان الزّمان ، ولا يئودهما حديث الحدثان . ولو عادت إليّ ساعة من أيامي ، أو حصلت في يدي إبرة من حسامي ، لسبقت كلومي فيكم كلامي . وسأجهد بهذه العصا ، فأجاهد من عصا . ثم اهتزّ كأنّه نسر مقصوص ، أو حمار مرهوص ، فقمنا وتركنا جانبه ، وجعل يضرب بعصاه ما قاربه . فتركناه وشأنه ، وأدمنا عيانه ، نصعّد فيه ونصوّب ، ونعجب ونعجّب . فلم تزل شقشقته تهدر ، وعصاه تتكسّر ، حتى كلّت يداه ، وانحلّت قواه . ولاح وجه الصّباح ، وجئنا إليه بالمصباح ، فإذا هو كالجدار المهدوم ، والخدر المهشوم ؛ قد فارق النّفس النّمروديّة ، ومات الميتة الجاهليّة . فدفنه الفتى في أطماره ، وسألنا كتمان أخباره ، وأفن لعمري أيّ أفن ، أن يطمع لخبر هذا في دفن ، بل هو منثور ، إلى يوم النّشور . ما أخرجته من شعر ابن شرف في أوصاف شتى . النسيب وما يناسبه [ قال ] [ 2 ] : قد كنت في وعد العذار فأنجزا * وقضى لحسنك بالكمال فأوجزا / وافى لنصر الحسن إلّا أنه * ولّى إلى فئة الهوى متحيّزا عطف تعلّم منك عطفك عطفه * وجد الفؤاد به السبيل إلى العزا لم يكف وجهك حسنه وبهاؤه * حتى اكتسى ثوب الجمال مطرّزا سبحان من أعطاك حسنا ثانيا * وبثالث من فعل حسنك عزّزا وقال :
--> [ 1 ] ص : قلبي . [ 2 ] هي في الشريشي 2 : 265 ( 5 : 240 ) وانظر : النتف : 102 .